بسم الله الرحمن الرحيم
السيدات والسادة أعضاء المجلس المحترمون،
يشرفني أن نلتقي مجددًا في اجتماع جمعيتنا العامة، في إطار ما دأب عليه مجلسنا من انتظام في تتبع وتقديم إنتاجاته، وتنفيذ برامجه السنوية المرتبطة بأعمال اللجان الدائمة، والمؤقتة، ومجموعات العمل الخاصة، وكذا مشاريع الهيئة الوطنية للتقييم.
ولا يخفى عليكم، أن مختلف القضايا التي تم إنجاز أعمال بشأنها، عُرضت على الجمعية العامة للمجلس للتداول والمصادقة، وهناك مشاريع تندرج ضمن برنامج عمل اللجان والهيئة الوطنية للتقييم للسنة الجارية، لا تزال قيد الإنجاز والدراسة.
كما يواصل المجلس، في إطار اختصاصاته، البتّ في القضايا التي يفرضها واقع التربية والتكوين والبحث العلمي، والتي نضج التفكير بشأنها، لما لها من ارتباط وثيق بجوهر المنظومة التربوية والتكوينية والبحثية.
ضمن هذا المسار، يهمُّ موضوع مداولات جمعيتنا العامة اليوم، مجال “الذكاء الاصطناعي”، وذلك في سياق التحضير لإصدار توصية عن المجلس في هذا الشأن، أقتُرِح لها عنوان: “من أجل اعتماد سياسة عمومية في مجال الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين والبحث العلمي”.
وجدير بالذكر، أن هذه التوصية، تندرج في إطار تفعيل مضامين الوثيقة التوجيهية للنصف الثاني من الولاية الحالية للمجلس، والتي حددت القضايا التي سيتناولها للسنة الحالية، ومن بين تلك القضايا: موضوع الذكاء الاصطناعي. كما تعتبر هذه التوصية استجابة يقِظة من طرف المجلس للتحولات المتسارعة التي تعرفها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وما يترتب عنها من تأثيرات متزايدة في مجالات التربية والتكوين والبحث العلمي، وآثارها على المهن؛ الأمر الذي يقتضي تأطير الرقمنة والذكاء الاصطناعي، لا في أبعادهما التقنية فحسب، وإنما أيضا على مستوى انعكاساتهما العميقة على تربية النشء، وتوليد مضامين الأفكار، وطرائق اكتساب المعارف، وإنتاجها، وكذلك في التحول الذي يمكن أن تشهده المهن. لذلك، يقتضى الأمر هنا، وعيا حاسما بِرهان الذكاء الاصطناعي، وآليات استعماله، وحدوده أيضا.
حضرات السيدات والسادة،
من الواضح أن عالمنا اليوم، يشهد ثورتين رقميتين متلازمتين، لهما تأثير في التربية والتكوين:
- الأولى، مرتبطة بالتحول الرقمي الذي أفرز شبكات التواصل الاجتماعي، وما أحدثته من تغيُّرات في أنماط تواصل اليافعين والشباب، وتأثيرها على العلاقات الاجتماعية؛
- أما الثانية، فتتمثل في ثورة الذكاء الاصطناعي، التي أعادت تشكيل طرق إنتاج المعرفة وتداولها.
ويمكن القول، إن آثار هاتين الثورتين، قد تجاوزت حدود تسهيل الولوج إلى المعرفة، لتمتدَّ إلى مختلف أوجه الحياة، بما في ذلك الاقتصاد، والمجتمع، والثقافة، والعلاقات الاجتماعية، والمهن، فضلًا عن تأثيرهما المباشر على تربية الأجيال وإعادة صياغة علاقة الفرد بمحيطه المجتمعي، وطرق إنتاج المعارف.
في هذا السياق، أضحى الذكاء الاصطناعي التوليدي فاعلًا مؤثرًا في المنظومة التربوية والتكوينية، سواء على مستوى المحتوى المعرفي، أو على مستوى طرائق التعلم والتفاعل مع المعرفة؛ وهو ما يفرض على هذه المنظومة ضرورة إدماج التربية الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي ضمن مكوناتها، بما يمكّن من تأهيل النشء بالأخلاقيات اللازمة، والحس النقدي، وحشد ملَكة التفكير بمعرفة، من أجل تقييم ما تفرزه الخوارزميات، والحد من الانزلاقات، مع توفير سبُل الاستفادة من الفرص التي تمنحها هذه الخوارزميات لمجالات التربية والتكوين والبحث العلمي.
غير أنه وجب التنبيه إلى أن هذا التوجه، لا يقتصر على تطوير البنيات التحتية فحسب، بل يستوجب، بالأساس، بلورة استراتيجية وسياسة عمومية متكاملة خاصة بقطاعات التربية والتكوين والبحث العلمي، تقوم على إعداد برامج تربوية واضحة، وتحديد أهداف دقيقة تروم تنمية الكفايات الرقمية، وتعزيز قدرات إنتاج المعرفة، والتعامل الملائم مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع مراعاة الأخلاقيات في التربية والتكوين والبحث العلمي.
وغير خافٍ علينا جميعا، رغم المجهودات التي بُذلت في تأهيل مؤسسات التربية والتكوين والبحث العلمي من حيث تجهيز البنية التحتية الرقمية، أن الذكاء الاصطناعي يتعلق بتوليد المعرفة التي تقتضي وضع سياسة عمومية، مع بلورة إطار مرجعي ومقاربة ملائمة تستهدف التربية والتكوين والبحث العلمي. كما يتطلب الأمر سن ضوابط تؤطر مستلزمات الاستعمال المسؤول، مع إقرار مبادئ للأخلاقيات التي يجب التقيد بها من طرف التلاميذ والطلاب والباحثين، وكذلك إحداث آلية للإشراف على المشروع.
هكذا، إذا كان الاستعمال قد أضحى واسعا وشائعا، فإن تأطيره يظل مرهونا بالمبادرات التي يجب على منظومتنا التربوية اتخاذها، قصد ضمان الاستعمال المسؤول والآمن.
كانت هذه، حضرات السيدات والسادة الأعضاء، هي الدواعي الأساسية التي أملَت إعداد المجلس لتوصية في هذا الموضوع ذي الأثر الحاسم في مسار تحول المنظومة التربوية، وقد حظيت هذه التوصية بموافقة مكتب المجلس، وهي معروضة اليوم على جمعيتنا العامة الموقرة قصد مناقشتها، والمصادقة عليها.
ولا يفوتني بهذه المناسبة، أن أتوجه بخالص الشكر إلى أعضاء مجموعة العمل الخاصة، التي بذلت مجهودا مكثفا، أثمر إعداد مشروع التوصية التي بين أيديكم، في أمد وجيز، وفق التكليف الذي أسند إليها، وأخُص بالذكر السيد حميد بوشيخي رئيس مجموعة العمل، والسيدة أمينة لمريني مقررة المجموعة، والسيد صلاح الوديع، والسيد محمد بوديس، والسيد محمد أضادي، والسيد محمد البرنوصي، والسيد حسن المهير، والسيد جمال بلحرش، والسيد فؤاد شفيقي، وكذلك السيدة هُدى بوكرين، إطار عالي بالأمانة العامة للمجلس، بصفتها إطار الدعم المواكب لأشغال مجموعة العمل.
من جهة أخرى، ستنكب جمعيتنا العامة اليوم، في نقطة ثانية، على الترتيب التنظيمي للتجاوب مع الإحالة الواردة على المجلس من السيد رئيس الحكومة يوم الإثنين 6 أبريل 2026، والذي يلتمس من المجلس إبداء رأيه الاستشاري في مشروع ذي صلة بمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي؛ ويتعلق الأمر بمشروع مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية المغربية.
في هذا الإطار، سينصب العمل اليوم على الأخذ علما، من جهة أولى، بفحوى المشروع الذي سيكون موضوع مشروع الرأي المرتقب، ومن جهة ثانية، إحداث اللجنة المؤقتة التي ستتولى إعداده في أفق زمني لا يتجاوز شهرا واحدا، تبعا لحالة الاستعجال التي أثارها رئيس الحكومة في رسالته، استنادا إلى مقتضيات المادة الثانية من القانون المتعلق بالمجلس.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


