
باسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
حضرات السيدات والسادة أعضاء المجلس،
يسعدنا أن نلتقي جميعا في دورة جمعيتنا العامة هذه، لتقديم حصيلة عملنا، مع تجديد عزم المجلس من منطلق مهامه، على مواصلة مواكبة منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
ومن المعلوم أن مؤسستنا الدستورية تستمد مشروعيتها من المهام التي حددها لها الدستور، ومن مدى مصداقية تشخيصاتها، وموضوعية أفكارها وتقييماتها، التي تُمكِّن من إنتاج تقارير وآراء وتوصيات تُسهم في تسريع التحول الضروري، عبر الإصلاح الذي حددت الرؤية الاستراتيجية أفقه الزمني في سنة 2030.
فلا يمكن للمجلس أن يكون مواكبا لسير المنظومة التربوية والتكوينية، وأن يكون جديرا بمشروعيته الدستورية وبمكانته في المشهد التربوي والتكويني في بلادنا وخارجها، إلا عندما يكون كل ما ينتجه من تقارير وآراء وتوصيات وتقييمات تلازمها الموضوعية، وصلابة الأفكار، ومصداقية التحاليل والتقييمات. كما لا يمكن للمجلس أن يكون له مفعول في الحقل التربوي، إلا إذا كانت انتاجاته تجد لها امتدادا وتأثيرا في الحقل التعليمي والتكويني والجامعي، وصدى في النقاش العمومي البَناء حول المدرسة والجامعة. وإننا نسعى جميعا داخل المجلس أن تتحلى إنتاجات المجلس بالموضوعية وبالتشخيص العلمي الرصين وصلابة التحليل، لتعكس التزام وإجماع أعضاء المجلس على سداد عملنا.
حضرات السيدات والسادة،
تواجه التربية اليوم عالما متسارع التحول جراء التطور التكنولوجي، والرقميات، وعلوم التربية، وفيض المعلومات. ولذلك، وجب علينا نحن المشتغلون بقضايا التربية والتكوين أن نعي أن جيل ألفا (Alpha) لن تتم تربيته وتعلميه وتكوينه بنفس أساليب تربية جيل زاد (Z) والأجيال التي سبقته؛ فتسارُع الحاجة إلى مدرسة مواكبة لجيلها تتطلب أساليبَ مبتكرة وسريعة للتربية، من حيث مضامينها ومناهجها وطرق التدريس ذات الصلة بها، وأيضا في تدبيرها؛ لأن الأمر لم يعد يتعلق بتوفر البنية التحتية المادية والتكنولوجية فحسب، وإنما نهج أساليب تربوية جديدة ومتجددة في التربية وفي مضامينها. إن سرعة إيقاع تعاقب الأجيال أعلى بكثير من سرعة إعداد المناهج والبرامج، وإعداد الأطر التربوية وتكوينها وتأطيرها ومواكبتها المستمرة. وعندما ندرك ذلك، يتبين لنا مدى ثقل المسؤولية الكبيرة الملقاة على كل القائمين على قضايا التربية التكوين، وعلى كل المؤسسات المنشغلة بها، ومن بينها مجلسنا.
لقد ظل المجلس منذ إحداثه، حريصا على تتبع تطور منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وذلك انسجاما مع ما تقتضيه مهامه التي يحددها القانون المنظم له، ومسجلا بذلك أثره وفعاليته في مسار إصلاح التربية والتكوين والبحث العلمي. هكذا، ومنذ عشر سنوات خَلت، بلور المجلس الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 التي كان لها صدى وأثرا في تاريخ التربية في بلادنا، وترتب عنها إصدار القانون-الإطار المنظم لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي؛ مما كان له هو الآخر صدى واضحا في تاريخ التربية والتكوين. كما واكب المجلس مسار المنظومة التربوية والتكوينية خلال النصف الأول لولايته الحالية بإصدارات وآراء وتقارير، سلطت الضوء على واقع هذه المنظومة، وعززت رصيده وإسهامَه في إبراز حالتها وهي تخوض غمار الإصلاح.
وإننا نتطلع خلال مرحلة السنة الأخيرة للنصف الثاني من ولاية المجلس هاته، والتي نحن مقبلون عليها بعد شهرين من الآن، إلى أن تنصب أعمال المجلس وتقييماته على تلك القضايا التي نعلم أنها تحتاج إلى التفكير والتقييم، قصد تسليط الضوء على طابعها الهيكلي بالنسبة لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، والتي تستحق أن يمنحها المجلس الاهتمامَ الواسعَ، وذلك بالنظر إلى أهميتها في مسار تحول هذه المنظومة.
حضرات السيدات والسادة،
لقد راكم المجلس خلال مساره، وفي سياق مواكبته لتطور منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الأدوات المنهجية اللازمة لبلورة تقاريره، خصوصا منها تلك التي تنتجها الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس، والتي تمكننا من معرفة حالة المنظومة، كما راكم أيضا تجربة في تتبع تطورها. كل ذلك، يدعونا إلى دعم هذه المكتسبات، مع تحديد خطة فعالة للتقييم والدراسة للسنة المتبقية من النصف الثاني للولاية الجارية. غير أن مواكبة المنظومة من طرف المجلس تتطلب استحضار المستجدات التي تطرأ على المنظومات التربوية والجامعية والبحث العلمي في التجارب الدولية، والتي من شأنها أن تجعل عملنا مواكبا لتلك المستجدات في اتجاه تعزيز ميادين التربية والتكوين والبحث العلمي في بلادنا.
نحن نعلم أننا على مشارف السنة الأخيرة من هذه الولاية، والتي تتطلب منا تضافر الجهود من أجل استكمال جميع مشاريع التقارير التي توجد قيد الإعداد، بالإضافة إلى استكمال اللجان للأعمال التي تمت برمجتها خلال النصف الأول من الولاية، بما فيها تقارير الهيئة الوطنية للتقييم، وعلى الخصوص الدراسة المستفيضة التي يجري إنجازها من قبل هذه الأخيرة حول منظومة التكوين المهني.
وإننا نُدرك أن الفاعلين في منظومة التربية والتكوين والبحث، يبدلون كل الجهود للارتقاء بالتربية والتكوين في بلادنا؛ غير أن كل عمل لا بد أن تعقبه وقفة للتقييم من أجل استخلاص النتائج، قصد التفكير فيما تحقق، وما لم يتم تحقيقه من أهداف، سواء تلك التي حددتها الرؤية الاستراتيجية لأفق 2030 أو تلك التي نص عليها القانون-الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
فبعد أن مضت عشر سنوات على إصدار الرؤية الاستراتيجية، وست سنوات على إصدار القانون-الإطار المذكور، بادر المجلس، عبر الهيئة الوطنية للتقييم لديه، بإنجاز تقرير حول عشرية الإصلاح، علاوة على إنتاجات أخرى لتقييم المنظومة بناء على جملة من المؤشرات، اعتبارا للمهمة التي أسندها القانون لهذه الهيئة، والتي تتعلق باضطلاعها بتقييمات شمولية وقطاعية وموضوعاتية.
وفي هذا السياق، وعلاوة على التقرير التحليلي لعشرية الإصلاح، ستنجز الهيئة الوطنية للتقييم “إطار الأداء” (le cadre de performance)، والذي يضع تقييما للمنظومة وفق مؤشرات الأداء لفترة العشر سنوات الماضية 2015-2025، كما ستنجز هذه الهيئة كذلك الأطلس الترابي حول التفاوتات في مجال التربية (Atlas des disparités). ومن المفروض أن تستعرض هاته التقييمات مدى التقدم الذي عرفته المنظومة التربوية خلال هذه المدة، وذلك بإبراز الجوانب التي عرفت تقدما ملموسا، وتلك التي ما زالت تحتاج إلى مجهود.
وستُعزَّز كل هذه التقارير بالمعطيات، استنادا إلى المؤشرات الأساسية التي تقيس مدى الفعالية والنجاعة التي يقتضيها ضمان تربية عادلة وجيدة لجميع أبناء وبنات بلادنا. كما ستحدد هذه التقارير مدى تأثير العمليات الإصلاحية على مردودية المنظومة، وعلى جودة مكوناتها. وسيكون لنا موعد لمناقشة تقارير الهيئة الوطنية للتقييم حول حصيلة عشرية الإصلاح والتقارير الأخرى، في شهر أكتوبر المقبل.
كما سيكون لنا خلال شهر دجنبر القادم، موعد مع استكمال تحليل المعطيات المتعلقة بتقرير البرنامج الوطني لتقييم مكتسبات التلاميذ 2026، وهو البرنامج الوطني الذي تعده الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس كل أربع سنوات، لقياس مدى التقدم المحرز في مكتسبات التلاميذ في السنة الأخيرة من السلك الابتدائي، والسنة الأخيرة من السلك الإعدادي.
فعلى ضوء كل هذه التحاليل والمعطيات التي ستفرزها أعمال اللجان، وأعمال الهيئة الوطنية للتقييم، سينكب المجلس خلال السنة المقبلة المتبقية من عمر هذه الولاية، على تسريع استكمال مشاريع أعمال اللجان التي كانت مبرمجة في أجندة المجلس، والتي توجد قيد الإنجاز.
كما ستمكننا كل هذه الأعمال التقييمية من القيام بوقفة لتفكير جماعي واستشرافي حول المدة الزمنية التي تفصلنا عن تاريخ 2030؛ السنة التي حددتها الرؤية الاستراتيجية كأقصى أفق لاستكمال وأجرأة مضامين الإصلاح. وفي هذا السياق، سيكون للمجلس موعد مع القيام بتفكير جماعي حول المرحلة الفارقة التي تفصلنا عن التاريخ المحدد لنهاية تطبيق الرؤية الاستراتيجية وهو 2030؛ حيث سنعمل على بلورة بعض العناصر الأولية لهذا التفكير، وسنحدد، انطلاقا من ذلك، شكل تنظيم إطاره لاحقا، لعرضه على الجمعية العامة المقبلة في شهر أكتوبر أو نونبر القادمَين.
حضرات السيدات والسادة الأعضاء،
ستنكب جمعيتنا العامة بعد قليل، على تدارس مشروعَي تقريرَين في غاية الأهمية: يتعلق أولهما بمشروع تقرير أعدته اللجنة الدائمة لحكامة المنظومة، في موضوع “إرساء المدرسة الجديدة في منتصف زمن الإصلاح”؛ ويهُمّ ثانيهما مشروع تقرير في موضوع “تحول مهن التربية والتدريس والتكوين انطلاقا من وجهة نظر الفاعلين” أعدته اللجنة الدائمة لمهن التربية والتكوين والتدبير.
ولا تفوتني الفرصة لأهنأ التلاميذ أعضاء مجلسنا، بمناسبة نجاحهم في امتحانات السنة الأولى بكالوريا، وأن أشِيد بمثابرتهم، وبالمجهود الدراسي الكبير الذي بذلوه طيلة السنة الدراسية، والذي أثمر حصولَهم على معدلات عالية، تجعلنا فخورين بهم.
وختاما، حضرات السيدات والسادة، أتمنى وإياكم، أن تتكلل أشغال جمعيتنا العامة هذه بالنجاح كما هي العادة.
وأشكركم على حسن إصغائكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
















